نظر إليها مطر بغضب، ثم شد ملابسه من بين يديها، .. لكنها أصرت وأمسكت بها: لا، لا تعذبني معك أكثر، لقد قلقت عليك طوال الليل، لن أتركك تخرج ... أو أخرج معك،...
ترك الملابس من بين يديها ثم جلس على طرف السرير وهو ينفخ بغضب، ... اقتربت منه قليلا وقالت: ما رأيك أن نذهب لزيارة والدتك، .... لابد أنها تسأل عنك، لعلك برضاها عليك يفرج الله عنك .. هيا نذهب، عليك أن تثبت لها أن كل ما سمعته من كلام غير صحيح، .. هيا استحم، واحلق، وتعطر ودعنا نخرج لزيارتها، ....
فسقط مطر على جانبه الأيمن فوق السرير، وكأنه ورقة هزيلة، ودس وجهه بين ذراعية، فاقتربت منه: هروبك سيؤكد الأمر، بينما خروجك للناس، سيثبت العكس، .. على كل حال، بقاؤك هنا لن يعالج المشكلة، .. أتعلم من زارنا اليوم، كل أصحابك، وأقرابائنا، كلهم، أمي أيضا جاءت، وإخوتي، كل من علم بالأمر جاؤوا ليخبروك أن ما حدث لن يغير مكانتك في قلوبهم، فأنت بشخصيتك الإجتماعية وطيبة قلبك، جعلت لك مكانة خاصة في قلوبهم، لا يحطمها أي شيء، ثم أصبح الكل يعلم أنها نزوة، وعندما تبت وحسمتها، كان جزاؤك انقامها، .. أصبحت أفضل منهم، فمنهم من يخون ولا يتوب، توبتك كانت السبب في ما أنت فيه، عليك أن تفتخر، بذلك..
بقي مطر صامتا للحظات، ....... ثم هم بارتداء ملابسه من جديد، ..... سألت برود: وأنا أيضا، ..؟؟ فأشار لها بالموافقة، .... فسألت من جديد: أليس من الأفضل لو أنك تستحم، .... فنظر لنفسه، ثم ابتسم، ودخل من فوره إلى الحمام، .....
هكذا تعالج الأمور، أن نبسطها، نجعلها أقل جللا أقل وطئا، نبتعد عن كل من يبالغ، ويصعب الحياة، ..... نحن من نقيم الأمور ونصنفها، نحن من نقول هذه مصيبة، أو عارض، ..... نحن من نضع الأمور في نصابها، .....
نحن نكيل، ونقيس، نحن من اخترعنا المكاييل والمقاييس، .....
في السيارة تقول برود كان يقود وهو في عالم آخر، ....... ثم مد يديه، وأمسك بيديها، ..... حتى إذا وصلا إلى هناك، ووجد الأحبة من أصحاب وأقرباء مجتمعون، كش قليلا، لكن ترحيبهم به، شجعه على الوقوف بقوة، جر نفسا عميقا، وسلم ............
في غرفة والدته كان كل شيء على ما يرام، فوالدته لا تعلم عن أمر الصورة أي شيء، لكن عجوزا كبيرة، صديقة لأمه، عندما هم بالمغادرة مع زوجته، لحقت به خارج الغرفة وقالت له: لا يغرك ضحك الناس في وجهك، الناس تلوك سيرتك وراءك ، العاقل يمشي بخط مستقيم لكي لا يسمح لعدوه بالضحك عليه، ....!!! ثم نظرت إلى برود، وواصلت كلامها لمطر: العمى عمى البصيرة، وإلا بنت الناس زوجتك ماذا يعيبها، لتجري خلف الفاسدة، أم أنكم صرتم تحبون الخبائث والمضرة لأنفسكم، العدو الوحيد لك يا مطر نفسك، من يوم كنت صغير وأنت غرورك مضيعنك....
صعدت برود إلى زوجها، الذي كان مستلقيا على الصوفا في غرفة النوم، سارحا، وكأنه طفل صغير ضائع، .. كانت في تلك اللحظات تفكر في كلامي، وشعرت بالتردد، كم تود لو أنها تخفف عنه في الوقت الحالي، وكم تخشى أن يؤثر ذلك على اعتباراته لها...
نظرت إليه، ثم انصرفت نحو زاوية الغرفة، فسمعته يقول: أستغرب هدوءك يا برود، وكأنك كنت على علم بكل شيء، .......... ثم اعتدل في جلسته، وواصل الكلام: كنت أخفي عنك قدر استطاعتي، لكي لا أخسرك، تخيلت أنك ستقيمين الدنيا لو علمت، تخيلت أنك ستتركينني وتتخلين عني........ هل كنت تعلمين بأمرها من قبل.....؟؟
صمتت برود، واكتفت بنظرة ذات معنى، فواصل الكلام: قالت لي بأنها أرسلت الصور إليك، ولم تضعها على السيارة، ........ هل كنت تعلمين بشأن الصور...... هل أنت من وضعها على مسّاحة السيارة...؟؟
لكن برود واصلت الصمت ، وبقيت عينيها تعترفان بكبرياء........
- إذا فقد كنت تعلمين، ....... ومع هذا......... لكن كيف، كيف أمكنك فعل هذا.... كيف أمكنك اللعب بهذا البرود، والهدوء....
- لم أكن أعلم الكثير، كل ما رأيته هو الصور، فقط الصور.....
- هل أنت متأكدة، ألست أنت من كانت تراسلني..
- أية رسائل....
- ثمة امرأة كانت تراسلني، هل كنت أنت...
- لا لست أنا، ولا أعرف عن الأمر شيء،
- فقط الصور، رأيتها، .... وتألمت، ........ لكني أحببتك، فآثرت الصمت، لأنك تغيرت .......كنت قد تغيرت كثيرا، حتى أني سامحتك على كل ما بدر منك قبل ذلك.....
- لا أصدق، ...... رأيت الصور...... وبقيت هادئة......
- نعم وما الجديد، فقد كنت أعلم عن كل علاقاتك ونزواتك، ... كنت بقصد أو بدون قصد، تترك هاتفك يرن ويرن، وأسماءهن تظهر على الشاشة أمامي، ..... وقد قررت أخيرا تركك للأبد، لكني، أردت أن أعطيك فرصة أخيرة، عندما بدأنا نغير مسار علاقتنا، فبمجرد أن استجبت وعدت لي، كنت قد فزت بالفرصة الأخيرة......
- أية فرصة، ........
- عندما علمت بأمر ليزا، بالمصادفة،....بعدها قررت تركك نهائيا، أقسم أني كنت أنوي الطلاق، بلا رجعة، لكني قررت أن أعطيك فرصة أخيرة، وبدأت بزيارة استشارية أسرية، ساعدتني في الحقيقة على فهمك، ووجدت أنك استجبت، أحببت الأمر، وأحببتك أكثر من ذي قبل، وقررت أن أنسى كل ما حدث منك سابقا، لقد نصحتني بأن أسامحك لوجه الله، تسامحا عميقا، .. فسامحتك، وعندما أرسلت ليزا الصور في ذلك اليوم، وجدت أن كل التواريخ قديمة، فأيقنت أنك لي، وأن موقفها ينم عن ضعف، فقررت أن أنسى أمر الصور، وكأني لم أرها.......
- إذا لما لم تتخلصي منها، لماذا تركتها على مساحة السيارة، .......
- لأنها كانت قد أرسلتها، ..... وكنت ستعلم أنها أرسلتها، وكنت لا أريدك أن تعلم أني رأيتها، أردتك أن تعتقد بأن صورتك الجميلة لازالت في قلبي، ... و....
- وكنت أمامك كالمغفل.......
- لا ... لم أرك كذلك أبدا، كنت أنظر إلى زوجي وحبيبي، الذي علي أن أنجو به، من براثنها........
قطع حديثهما جرس هاتف المنزل الداخلي، ...... ردت برود: نعم ريتا، ... متى، .......أين هو....؟؟ نعم، قادمة.......
قال مطر بقلق: ماذا حدث......؟؟
- هذه ريتا، تقول بأن أخي الأكبر هنا، .. يريدني، ..... ولعله يريد مقابلتك.......
- ماذا يريد، ألم تقولي أنه كان هنا هذا الصباح، ...
- لا لم يكن موجودا، فقط أخوي الأصغرين جاءا.......
- نعم، لكني لا أرغب في رؤية أحد الآن.......
- مطر.... أخي ينوي أخذي من البيت، ينوي تطليقي منك.... أجد أنك لو نزلت للحديث معه، قد يصرف النظر..
- ماذا....... ماهذا الكلام، أي طلاق،....... ومن يظن نفسه ليفعل ذلك..... ليس من حقه..... وإن كان الأمر كذلك فلينتظر...... أو أخرج وأطرده من المنزل.......
- لماذا تطرده، تحدث معه، افهم وجهة نظره، ...ضع نفسك مكانه، .......
جزء مني يا صديقتي، أراد أن يتعرض مطر للسب والشتائم على يدي أخي فأنا أعرف كيف هو، تمنيت لو يمزقه، ... أحيانا أستغرب نفسي، فأنا لم أطق ما أصابه على يدي ليزا، لكني أتمنى لو يقوم أخي بضربه، كما نضرب أولادنا خوفا عليهم، أو جزاء لهم على شقاوتهم...... أردت أن يضربه، ليأدبه، أحيانا لا أعرف كيف أفكر....... لكني تمنيت ذلك......ّ!!!!
كانت والدتي في الطابق السفلي تحاول تهدئة أخي، ... وفهمت لماذا أصرت أمي على الإقامة عندي، فهي كانت تعرف أنه سيأتي، وأحبت أن تكون هنا لتتجنب الألم قدر استطاعتها....
نزلت أنا أولا، وكان أخي يجلس هناك في الصالون، مضى وقت طويل منذ أن رأيته آخر مره، فهو دائما مسافر، ... كان وجهه مختلفا، بدا أبوياً أكثر من ذي قبل، بل في عينيه نظرة خاصة نحوي، أحاطتني بالحنان والعناية وهو يرقبني وأنا أنزل السلالم، ........
- كيف حالك يا برود.........
- بخير، كيف حالك أنت........
- هل تفسرين لي سبب بقائك هنا حتى هذه اللحظة....
- ولما لا أبقى، وأين أذهب...
- تعودين لبيت والدك، حتى نتفاهم معه، والآن احملي حقائبك، وتعالي معي أنت وأبنائك...
- ماهذا الكلام يا أخي، زوجي في وضع صعب، لا أستطيع تركه.......
- أي وضع صعب، هذا الوضع هو من اختاره لنفسه، ... وأنت غير مسؤولة عنه، عليه أن يتحمل نتائج أفعاله وحده، ما ذنبك أنت فيما حدث، لماذا تتحملين نظرات الناس وإهاناتهم، لمي ملابسك والحقي بي إلى السيارة.......
- لكن يا أخي، لا أستطيع فعل ذلك، الأمر جد حساس، أرجوك تفهم وضعي، ......
- قلت لك وبلا نقاش، لمي ملابسك وهيا بنا........
- لن أفعل....... لن تتحكم في حياتي وقراراتي، ليس من جديد....... ( وبكت برود)
لاحظ الأخ انفعالها، وأدرك حالها...... وقال: أعلم أنك لا زلت غاضبة علينا، ...... وأرى لومك المر لي أنا بالذات في كل مرة أقابلك فيها، حتى بت أتحاشى النظر في عينيك، ..... كنا شبابا، وكانت لنا أفكارا لا أعرف كيف، أو من أي نوع، ......... أعترف أنا ظلمناك وأسأنا إليك، .... وليتك تسامحيننا، وأنا بالذات، كنت أعتقد أني أفعل ذلك لصالحك...... والله لا أعرف كيف كنت، ..... لكن اليوم، وأنا أرى ابنتي البكر قد باتت امرأة، .. وأرى خوفي عليها، وعطفي وحبي لها، أتذكرك، وأتحسر على مافعلته بك، يكويني الندم على كل كلمة جرحتك بها، وأشعر أني قد خنت الأمانة التي حملني والدي، فقد أسأت إلى ابنته، وأفكر ماذا يحدث بابنتي لو توفيت، هل سيسيء إخوتها إليها، أشعر بالرعب، وأفكر في الإعتذار لك، لكن كبري يمنعني، .... أريد أن تسامحيني يا برود، وقد تكلمت مع إخوتك جميعا، لنحتسب لك نصيبا من مشروعنا، ... نصيبا موثقا، عوضا عن كل ما أخذناه سابقا منك، لعل ذلك يغفر لنا ...
( نظرت برود إليه غير مصدقة، وكانت تزم شفتيها بقوة متحاشية البكاء، .. وتلم عضلات صدرها، وتشد على قبضة يدها، وكأنها تمسك أعصابها من الفلتان، إذ أن الموقف أكبر بكثير من المحتمل) فاقترب منها شقيقها، وأحاطها بذراعيه، ومسح برفق على ظهرها، وهمس لها:
لا يوجد أي ردود على هذا الموضوع

